القاضي عبد الجبار الهمذاني
49
تثبيت دلائل النبوة
قيل له : قبل كل شيء قد علمنا أنه صلّى اللّه عليه وسلم قد احتج بالإسراء وجعله قرآنا يتلى « 1 » ، وقد سمع هذا جميع أعدائه من قريش واليهود والنصارى وهم معه وجيرانه وأشد الناس عليه وأحرصهم على عثرة تكون له أو عيب يكون فيه ، وهنالك أصحابه ومن قد اعتقد صدقه ونبوته ولم يتبعه إلا لأنه نبي صادق وعاقل لا يحتج على عدوه ووليه بما لا يقوم برهانه ، ثم لا يرضى أو يأتي في ذلك بقرآن يتلى ويضيفه إلى ربه ويستطيل بذلك على عدوه ووليه ، وليس معه في ذلك إلا الدعوى الخالية من كل الحجج ؟ هذا لا يفعله عاقل ، وعقل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عند عدوه فضلا عن وليّه فوق العقول . وأخرى أن من فعل هذا على ما يدعيه الخصم لا يتبعه أحد ولا يصدقه أحد بل يرجع عنه من قد اتبعه ، إذ ليس معه إلا الدعوى على ما يدعيه الخصم ، وكل أحد يمكنه ان يدّعي انه قد أسري به في ليلة واحدة من البصرة إلى بيت المقدس أو من العراق إلى بلاد الهند وما تبينت بما هذه سبيله ، فتعلم ان الحجة بذلك قد قامت واتضحت . وأخرى ما جرى بين قريش وبين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وبين قريش وأبي بكر الصديق ، وما كان في ذلك من طول المراجعة ، ومن عني بذلك يعلم أن الأمر كما حكينا ووصفنا علما يقينا لا يرتاب به ، كما يعلم فرار المهاجرين إلى ارض الحبشة ، وإخراج قريش عمرو بن العاص وعمارة ابن الوليد بن المغيرة في طلبهم ، وما كان لهم معهما مع النجاشي من
--> ( 1 ) تناولت سورة الإسراء قصة الاسراء بقوله تعالى : « سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ » .